الطبراني
108
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
فبينما المتهجّدون يبكون ويتضرّعون والغافلون في غفلاتهم ؛ إذا بالشّمس والقمر قد طلعتا من المغرب أسودان لا ضوء للشّمس ولا نور للقمر كصفتهما في كسوفهما ، فذلك قوله تعالى : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ « 1 » ، فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ينازع كلّ واحد منهما استباقا ، فيتصارخ أهل الدّنيا حينئذ ويبكون . فأمّا الصّالحون فينفعهم بكاؤهم ، ويكتب لهم عبادة ، وأمّا الفاسقون فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ، ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة . فإذا بلغ الشّمس والقمر سرّة السّماء ومنتصفها ، جاء جبريل فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب ؛ فيغربان في باب التّوبة ] . فقال عمر : بأبي وأمّي أنت يا رسول اللّه ؛ ما باب التّوبة ؟ قال : [ يا عمر ؛ خلق اللّه بابا للتّوبة خلف المغرب ؛ له مصراعان من ذهب ؛ ما بين المصراع إلى المصراع أربعون سنة للرّاكب ، فذلك الباب مفتوح منذ خلق اللّه خلقه إلى صبيحة تلك اللّيلة عند طلوع الشّمس والقمر من مغربهما ، فإذا غربا في ذلك الباب ردّ المصراعان والتأم ما بينهما ، فيصير كأن لم يكن بينهما صدع . فإذا أغلق باب التّوبة لم يقبل للعبد توبة بعد ذلك ، ولم ينفعه حسنة يعملها إلّا من كان قبل ذلك محسنا ، فإنّه يجري عليه ما كان يجري قبل ذلك اليوم . فذلك قوله تعالى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً ، قال السّدّيّ : ( لا ينفع أحدا فعل الإيمان ولا فعل الخير في تلك الحالة ، فإنّما ينفع فعل هذا قبل تلك الحال ) « 2 » . وقيل : معنى ( خيرا ) إخلاصا ؛ أي إذا لم تكن النفس مخلصة قبل مجيء الآيات ؛ لا ينفعها الإخلاص بعد مجيء الآيات ، قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 158 ) ، فقال أبيّ بن كعب : يا رسول اللّه ؛ وكيف بالشّمس والقمر بعد ذلك ؟ وكيف بالنّاس
--> ( 1 ) القيامة / 9 . ( 2 ) بمعناه أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11080 ) . عن السدي يقول : ( كسبت في تصديقها خيرا عملا صالحا ، فهؤلاء أهل القبلة . وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها . وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا ، قبل منها ) .